المواقع الالكترونية_928-90 (1)

حين يتغير جسد الأم… قصة لا تُرى بالعين.

المواقع الالكترونية_928-90 (1)

حين يتغير جسد الأم… قصة لا تُرى بالعين.

يُقال كثيرًا إن جسد المرأة يتغير بعد الولادة، لكن ما لا يُقال بما يكفي هو أن هذا التغير ليس ضعفًا، ولا تراجعًا، بل تحوّل عميق فرضته تجربة فريدة لا تشبه أي تجربة أخرى: الأمومة.

فظهر الأم، الذي لم يعد كما كان، لم يفقد قوته… بل اكتسب دورًا جديدًا. خلال أشهر الحمل، يتكيف الجسد تدريجيًا مع وجود حياة تنمو بداخله؛ يتغير مركز الثقل، ينحني العمود الفقري، يتسع الحوض، وتلين الأربطة لتستوعب هذا التحول الكبير. إنها عملية معقدة، لا يراها أحد، لكنها تترك أثرًا لا يُمحى.

ولا يتوقف الأمر عند التغيرات الجسدية فقط، بل يمتد إلى العقل أيضًا. إذ تتشكل لدى الأم أنماط جديدة من التفكير والسلوك: كيف تحمي، وكيف تحتوي، وكيف تتحمل ما لم تكن تظن يومًا أنها قادرة عليه. هذا التكيف، الذي يبدأ أثناء الحمل، لا ينتهي مع الولادة، بل يستمر ويتعمق.

بعد قدوم الطفل، تدخل الأم مرحلة جديدة من “الحمل المستمر” بشكل مختلف. فحياتها اليومية تصبح سلسلة من الحركات المتكررة: الانحناء، الحمل، الرضاعة، التهدئة، والسهر. كل هذه التفاصيل الصغيرة، التي تبدو عادية، تتراكم لتشكل عبئًا جسديًا حقيقيًا.

ولهذا، فإن الألم الذي تشعر به كثير من الأمهات ليس مبالغة، ولا دلالًا، بل نتيجة طبيعية لكل ما مرّ به الجسد من تغيرات. تشير الدراسات في مجالات الميكانيكا الحيوية إلى أن الحمل قد يُحدث تغييرات طويلة الأمد في انحناء العمود الفقري، واستقرار الحوض، وتوازن العضلات، وهو ما يفسر استمرار بعض الآلام بعد الولادة.

ومع ذلك، تواجه الأمهات ضغطًا مجتمعيًا صامتًا يدفعهن للاعتقاد بأن عليهن “العودة كما كنّ” في أسرع وقت ممكن، وكأن شيئًا لم يحدث. هذا التصور لا يُنصف التجربة، ولا يعترف بحجم التحول الذي مرّ به الجسد.

الحقيقة أن جسد الأم لا ينهار… بل يتذكر. يتذكر كل لحظة حمل فيها، وكل مرة انحنى ليحمي، وكل مرة احتضن فيها حياة جديدة. كل ألم هو انعكاس لجهد مستمر، وكل تغير هو سجل حي لتجربة إنسانية عميقة.

لذلك، ربما حان الوقت لتغيير السؤال. بدلًا من أن نسأل: “لماذا لم يعد الجسد كما كان؟”، يمكن أن نسأل: “كيف يمكن أن يعود كما كان، بعد كل ما مرّ به؟”

إن ما تعيشه الأم ليس فقدانًا، بل إعادة تشكيل. هي لا تصبح أقل، بل تصبح أكثر عمقًا وقوة واحتواءً. وظهرها، الذي تغيّر، لم ينكسر… بل تحوّل ليحمل ما هو أثقل من الوزن: الحب، والمسؤولية، والحياة نفسها.

تغطية موقع جريدة الوطن اليوم الدولي 

اظهر المزيد