ليس كل مجرم مريضًا نفسيًا… فهمٌ أدق يحمينا من الوصم.

ليس كل مجرم مريضًا نفسيًا… فهمٌ أدق يحمينا من الوصم.

ياسمين علي .
في كل مرة تتصدر فيها جريمة عناوين الأخبار، يتردد على ألسنة البعض وصف الجاني بأنه “مريض نفسي”، وكأن المرض النفسي هو التفسير الأسهل لأي سلوك عنيف أو إجرامي. إلا أن هذا الربط السريع لا يعكس الحقيقة العلمية، بل قد يرسخ مفاهيم خاطئة تضر بالمجتمع وبالأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية على حد سواء.
من منظور علم علم النفس، فإن المريض النفسي هو شخص يواجه اضطرابات تؤثر في تفكيره أو مشاعره أو سلوكه، مثل الاكتئاب أو اضطرابات القلق أو غيرها من الاضطرابات النفسية. وغالبًا ما تكون معاناة هذا الشخص داخلية وخفية، حيث يخوض صراعًا يوميًا مع أفكار مزعجة أو مشاعر مرهقة أو ضغوط نفسية مستمرة. وفي معظم الحالات، يكون هذا الشخص في حاجة إلى الدعم والعلاج، لا إلى الاتهام أو الخوف منه.
على الجانب الآخر، يرتبط السلوك الإجرامي بعوامل متعددة، منها اجتماعية واقتصادية وتربوية، إضافة إلى سمات شخصية وسلوكيات مكتسبة. فالمجرم، في كثير من الحالات، يتخذ قرارًا واعيًا بتجاوز القوانين، وقد يكون دافعه الطمع أو الانتقام أو تحقيق مصلحة شخصية، وهي عوامل لا ترتبط بالضرورة بوجود مرض نفسي.
إن الخلط بين المرض النفسي والجريمة ليس مجرد خطأ في الفهم، بل يحمل آثارًا سلبية واضحة. فعندما يتم تصوير كل مريض نفسي على أنه مصدر خطر محتمل، يزداد ما يُعرف بـ الوصمة الاجتماعية، ما يدفع كثيرًا من المرضى إلى إخفاء معاناتهم أو التردد في طلب المساعدة خوفًا من نظرة المجتمع. وهذا بدوره قد يؤدي إلى تفاقم حالتهم وتأخر تلقي العلاج المناسب.
وتشير دراسات عديدة في مجالات الصحة النفسية إلى أن نسبة كبيرة من الجرائم لا ترتبط باضطرابات نفسية، بل بعوامل بيئية وسلوكية واجتماعية. كما أن أغلب الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية لا يمارسون العنف، بل يكونون أكثر عرضة للتعرض للأذى أو الاستغلال من غيرهم.
إن الفهم الدقيق للفارق بين المرض النفسي والسلوك الإجرامي يمثل خطوة مهمة نحو بناء مجتمع أكثر وعيًا وإنصافًا. فالمريض النفسي يحتاج إلى رعاية وعلاج ودعم نفسي واجتماعي، بينما يتطلب السلوك الإجرامي تطبيق القانون ومعالجة أسبابه الحقيقية بطرق علمية مدروسة.
في النهاية، يبقى الوعي هو خط الدفاع الأول. فحين ندرك أن المرض النفسي ليس مرادفًا للجريمة، وأن الجريمة ليست بالضرورة نتيجة اضطراب نفسي، نكون قد خطونا خطوة مهمة نحو تقليل الوصم المجتمعي، ودعم من يحتاج إلى العلاج، وتعزيز قدرة المجتمع على مواجهة الجريمة بأسلوب أكثر فهمًا وعدالة.
تغطية موقع جريدة الوطن اليوم الدولي.


